أحمد بن علي القلقشندي
267
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
سجيّته ، والعزّ حلية اسمه ، والصّلاة والسلام على سيدنا محمد الَّذي هدى اللَّه بنور ملَّته العادلة من تردّى في ظلمات ظلمه ، ورفع منار النّبوّة بما خصه به من افتتاح التقدّم في رتبتها وختمه ، وعلى آله وصحبه الَّذي سرى كلّ منهم إلى غاية الكمال على نجائب همّته وجياد عزمه - فإنّ أولى من رعيت له أسباب قدمه وتقدّمه ، وفتحت له أبواب حكمه في رتبته وتحكَّمه ، وأعيد إلى مكانته الَّتي رقاها باستحقاقه قديما ، ورفع إلى منزلته الَّتي لم يزل بقواعدها خبيرا وبأوضاعها عليما - من ارتقى في رتبته إلى نجم أفقها ، واقتدى في مناهجه بدليل مسالكها وطرقها ، فأتى في مصالحها بيوت الإصابة من أبوابها ، ونقل فيها أوضاع الإجادة عمّن كان أدرى بها ، وتقدّم فيها تقدّم هجرته وسبق قدمه ، وبلغ في مقاماتها الغاية بين وثبات ساعده وثبات قدمه ، وجمع من أشتات الطَّير ما افترق في غيره ، وحوى من السّبق إلى أنواعها ما حكم بسعد نجمه ويمن طيره ؛ فكم ليلة أسفر فيما أبرزوه عن صباح نجاحه ، وكم طائر زاحم النّسرين بقوادمه أصبح لديه محمولا بجناحه ، وكم أنزلت أهلَّة قسيّة الطير على حكمها ، وكم حكت بنادقه في رجوم الطَّير المحلَّقة إلى السماء انقضاض نجمها ، وكم أبصر مقاتل الطَّير وهي من اللَّيل في ظلمات بعضها فوق بعض ، وكم اشتغل من الطير الواجب ( 1 ) بندب رمي لم يشغله من إعداد الأهبة للجهاد عن الفرض ، حتّى كاد النّسر الطائر إذا توهّم أنّ الهلال قوسه يغدو كأخيه واقعا ، والمرزم ( 2 ) المحلَّق في الأفق يمسي لإشارة بنادقه الصّمّ متتبّعا ، حتى أصبح وهو الكبير في فنّه بآداب التعريف ، وأضحى وهو الخبير بنوعه بطريق النّقل والتّوقيف . ولمّا كان فلان هو كبير هذا الفنّ وخبيره ، ومقدّم هذا النّوع الَّذي لم يزل بنجلائه عظيم كلّ عصر وأميره ، وقديم هذا المرمى الَّذي جلّ المراد به الجدّ لا
--> ( 1 ) الطير الواجب ، وحمام الهدي هي الحمام الرسائلي الَّذي كان يستعمل لنقل الرسائل ( البريد السريع ) . ( 2 ) المرزم : اسم لعدد من النجوم أشهرها مرزمان : هما الشعريان : العبور والغميصاء .